بعض المواقف لا تتحمل التردد

بعض المواقف لا تتحمل التردد

كان في قرية صغيرة رجلان يختلفان في كل شيء:

الأول اسمه صالح، معروف بقوته الجسدية، طويل القامة، لا يهاب أحدًا. والثاني نايف، نحيل هادئ، يتجنّب المواجهات ويُتهم دائمًا بالجبن.

كبر الاثنان على نظرة الناس: صالح هو رمز الشجاعة، ونايف هو ظلٌ لا يُرى إلا في آخر الصف.

وفي ليلة ممطرة، سمع أهل القرية صرخات من الجبل القريب. ترددت الأخبار أن ذئبًا هائجًا هجم على قطيع الماشية، وأن الطفل الصغير سلطان قد ضاع بين الصخور.

اجتمع أهل القرية نظروا إلى صالح منتظرين بطولته المعتادة.تقدّم، لكنه توقّف عند باب الوادي المظلم، تردّد، فقد شعر لأول مرة أن قوته لن تفيده أمام خوف مجهول لا يرى نهايته.

في تلك اللحظة، تقدّم نايف بخطوات ثابتة، لم يصرخ، لم يتفاخر، فقط قال: “سلطان وحيد… وما في وقت نضيّعه.”

أمسك بعصا، وأشعل فانوسًا صغيرًا، ودخل الوادي دون أن يلتفت.بعد دقائق طويلة سُمعت خطوات مسرعة…

خرج نايف وهو يحمل الطفل بين ذراعيه، بينما الذئب يتراجع بعيدًا، يرهبه وهج الفانوس وصوت الحجارة التي كان يرميها نايف ليبعده.

وقف أهل القرية مذهولين…وصالح بينهم عاجز عن رفع عينيه.في تلك الليلة فهم الجميع:

عندما تاتي “المواقف”… لا يعود للهيبة معنى، ولا للقوة وزن. فالجبان قد ينهض بشجاعة لم يكن يعرفها في نفسه، والقوي قد يكتشف أن العضلات لا تنقذه حين يخونه القلب.

الشجاعة ليست صفة ثابتة…إنها لحظة صدق. وفي لحظة الصدق يتساوى القوي والجبان، ويبقى الفعل وحده هو الذي يروي الحكاية.

اترك تعليقاً