تُجسّد حكاية المعتمد بن عباد وزوجته اعتماد الرميكية واحدة من أكثر صور العتاب الإنساني صدقًا في التراث الأندلسي، حيث تختلط المحبة بالألم، والوفاء بمرارة الظروف. يُروى أن اعتماد قالت لزوجها في لحظة ضيق: “ما رأيت منك خيرًا قط”، وهي عبارة قاسية في ظاهرها، لكنها وُلدت من ضغط المعاناة بعد أن تبدلت الأحوال من النعيم إلى الشدة، حين انتقلا من حياة القصور إلى حياة الأسر والفقر في أغمات. لم يكن قولها إنكارًا مطلقًا، بل تعبيرًا عن ألم اللحظة التي طغت على ما سواها.
جاء رد المعتمد مختصرًا، لكنه عميق الدلالة: “ولا يوم الطين”، مستحضرًا موقفًا قديمًا حين اشتهت اعتماد أن تمشي في الطين كما كانت تفعل في صغرها، فبالغ في إسعادها وصنع لها طينًا من الطيب والعطر. لم يكن تذكيره مجرد تعداد لجميل، بل محاولة لإعادة التوازن إلى الذاكرة، كأنه يقول إن الخير لا يُقاس بلحظة واحدة من الضيق، ولا يُمحى بتاريخ من المودة.
تكشف هذه المقولة عن طبيعة النفس البشرية حين تضيق بها السبل، فتميل إلى اختزال التجربة كلها في ألم حاضر، وتنسى ما سبق من دفء وعطاء. وفي المقابل، يقدّم رد المعتمد درسًا في هدوء العتاب، حيث لا يهاجم ولا يوبّخ، بل يذكّر بلحظة صادقة تختصر معنى الحب. وهنا تتجلّى قيمة “ولا يوم الطين” بوصفها أكثر من مجرد عبارة؛ إنها دعوة للإنصاف في الحكم، ولألا تُمحى سنوات من الوفاء بسبب لحظة قاسية.
تبقى هذه القصة حيّة لأنها تلامس واقعًا يتكرر في حياة الناس، حين تتبدل الظروف وتختبر قوة العلاقات، فيظهر العتاب، لكن يظل الوفاء الحقيقي هو القدرة على التذكير بالخير دون أن يتحول إلى منّة، وعلى الاعتراف بالألم دون أن يُنكر الجميل.


اترك تعليقاً